ابن تغري
229
المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي
واختلفت الأقاويل في موته ، فمنهم من يقول أن ابن قرايلك قتله تقربا لخاطر الملك الأشرف برسباى ، وهو بعيد ، ومنهم من يقول أنه مات بالطاعون ، فلما رأى ابن قرايلك أنه قد فرط فيه الفرط بالموت قطع رأسه [ 170 أ ] وبعث به إلى الأشرف ، وهذا هو الأقرب . المتداول بين الناس ، واللّه أعلم . وكان جانبك الصوفي أميرا جليلا ، معظما في الدول ، طوالا ، جميلا ، مليح الشكل ، إلا أنه كان قليل السعادة إلى الغاية ، حبس بثغر الإسكندرية غير مرة ، حتى أن مجموع أيام إمارته لو حصرت كانت نحو ثلاث سنين لا غير ، وباقي عمره كان في الحبوس أو مشتتا في البلاد ، وطال خموله في الدولة الأشرفية لما كان مختفيا ، وقاسى خطوب الدهر ألوانا ، ورأى الأهوال . أخبرني من أثق بقوله من أصحابه بعد موت الملك الأشرف : أنه كبس عليه مرة وهو في دار فنام تحت حصيرة في البيت المذكور فاختفى عنهم ، وكبس عليه مرة أخرى وهو بدار في الحسينية فاختفى بمكان غير بعيد عن أعين الناس ، وستره اللّه فيهما ، ونجاه من القبض . وحدثني صاحبنا يشبك « 1 » الظاهري أنه ركب مرة من داره بعد صلاة الصبح وقصد الفضاء ، فلما كان عند باب النصر صدفه وقد أسفر النهار ، فأراد أن ينزل عن فرسه إجلالا له فمنعه جانبك الصوفي من ذلك ، وسارا يتحادثان وجانبك غير خائف من يشبك لما كان بينهما من الصحبة قديما ، فكان من جملة كلام يشبك له : يا خوند تمشى في هذا الوقت وأنت تعلم من خلفك ؟ وما الناس فيه
--> ( 1 ) لعله يشبك بن عبد اللّه من جانبك المؤيدى شيخ المعروف بالصوفي ، المتوفى سنة 863 ه / 1458 م - المنهل .